أبي نعيم الأصبهاني
298
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
هؤلاء إنما أقروا بالظلم حين رأوا العذاب ( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ) فالظلم شرك ، قال سفيان : ومن عصى اللّه فهو منتن ، لأن المعصية نتن . وسئل سفيان عن قول على : الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة اللّه ، ولم يرخص لهم في معاصي اللّه ، فقال : صدق لا يكون الترخيص إلا في المستقبل ، ولا التقنيط إلا فيما مضى ، قال سفيان : وقال عبد اللّه اثنتان منجيتان واثنتان مهلكتان ، فالمنجيتان النية والنهى ، فالنية أن تنوى أن تطيع اللّه فيما يستقبل والنهى أن تنهى نفسك عما حرم اللّه عز وجل ، والمهلكتان العجب والقنوط قال سفيان : وأكبر الكبائر الشرك باللّه ، والقنوط من رحمة اللّه ، واليأس من روح اللّه ، والأمن من مكر اللّه ، ثم تلا ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) ( لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) قال : وسئل عن قوله : لا شيء أشد من الورع . قال : إنما معنى ذلك لأنه لا شيء أشد على الجاهل من أن يكون عالما يعلم ما له وعليه ، وكيف يتقدم وكيف يتأخر ، والورع على وجهين ، ورع منصت وهو الذي يعرفه العامة ، إذا سئل عما لا يعلم قال لا أعلم ، فلا يقول إلا فيما يعلم ، وورع منطق يلزمه الورع القولي ، لأنه يعلم فلا يجد بدا من أن ينكر المنكر ويأمر بالخير ، ويحسن الحسن ويقبح القبيح ، وهو الذي أخذ اللّه به ميثاق أهل الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، وهو أشد الورعين وأفضلهما ، والعامة لا يجعلون الورع إلا السكوت ، وأما القول والجراءة على القول وإن كان عالما فهو عندهم قلة الورع . * حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا عبد الجبار بن العلاء ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال : استحى المسلمون من عورات إخوانهم يوم بدر فجمعوهم فطرحوهم في قليب فأتاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم فوقف عليهم فجعل يقول : « أي فلان ، أي فلان - يسميهم أو من سمى منهم - ألم تجدوا اللّه مليا بما وعدكم اللّه ؟ قالوا : يا رسول اللّه أو يسمعون ؟ قال : نعم كما تسمعون » .